٢/٣
وهو القسم المقابل للقياس الاستثنائي. وليس المراد به مجرد اقتران قضيتين في الذهن أو اجتماعهما في الخطاب من غير رابطة عقلية بينهما، بل هو بناء استدلالي تنتظم فيه مقدمات، وتلزم عنها نتيجة بحسب هيئة مخصوصة.
وهذا الاصطلاح لم يبق حبيس كتب المنطق، بل جرى عليه أهل الأصول والجدل
٣/٣
وآداب البحث والمناظرة، وصار من لغة أهل العلم العامة في صناعة الاستدلال
فمن يطلق «الدليل الاقتراني» ثم يصفه بأنه:
«لا يتضمن أي دلالة عقلية أو حجة برهانية ملزمة»
فهو إما لا يعرف معنى المصطلح الذي يستعمله، وإما يستعمله في معنى خاص اخترعه من عند نفسه، من غير أن يعرّفه أو ينبه إلى
٤/٣
مخالفته لعرف أهل العلم.
لأن الدليل الاقتراني بالمعنى المعروف هو أصلًا دليل عقلي منتج، وقد يكون برهانيًّا أو جدليًّا أو خطابيًّا بحسب مادة مقدماته، أما أن يكون «اقترانيًّا» ثم لا يتضمن أصلًا أي لزوم عقلي، فهذا جمع بين ألفاظ لا يعي صاحبها مدلولاتها.
والأطرف أن المؤلف حين حاول
٥/٣
أن يصوغ ما فهمه من حجة الشريف، لم يصغه في قياس اقتراني أصلًا، بل جاء ببنية شرطية استثنائية، أي بالقسم المقابل للقياس الاقتراني الذي زعم الحديث عنه!
فهو لا يستعمل المصطلح بمعناه المشهور، ولا يعرّف المعنى الجديد الذي أراده ثم لا يلتزم حتى في صياغته بما سمّاه! وهذا تخليط اصطلاحي
٦/٣
لا يقع فيه من له أدنى اشتغال محرر بصناعة المنطق والاستدلال.
لكن لندع هذا الاضطراب الاصطلاحي، مع دلالته الواضحة على ضعف آلة المؤلف العلمية، ولننظر في أصل اعتراضه: هل صاغ حجة الشريف صياغة صحيحة؟
الجواب: لا.
بل صاغ لها صورة مشوهة لا صلة لها بما قرره الشريف، ثم أخذ ينقد هذه
٧/٣
الصورة التي أنشأها بنفسه؛ وهذا هو رجل القش بعينه.
فقد صوّر كلام الشريف كأنه يقول:
إن القرآن لم يقم علاقة عقلية بين الربوبية والعبادة، وإنما قال للمشركين: أنتم تتصورون الإله على هيئة معينة، وأصنامكم لا توافق هذا التصور، فالتزموا بتصوركم ولا تعبدوها!
وكأن الحجة القرآنية
٨/٣
مجرد إلزام نفسي أو عرف خاص بالمشركين، لا يقوم إلا على اقتران قضيتين في أذهانهم، ولا توجد بينهما علاقة عقلية في نفسها!
وهذا فهم سقيم لم يقل به الشريف، ولا تحتمله عبارته، ولا يخفى فساده على من قرأ كلامه بأدنى إنصاف.
فالشريف لا يقول إن الربوبية والعبادة قضيتان منفصلتان
٩/٣
اقترنتا مصادفةً في أذهان المشركين، بل يقول إن بينهما تلازمًا حقيقيًّا:
من لا يثبت له معنى من معاني الربوبية لا يتحقق التأله له، ومن ثم لا يكون ما يصرف إليه عبادةً له.
فاستحقاق العبادة ليس وصفًا لا علاقة له بالربوبية، بل هو فرع عنها.
١٠/٣
والشيء لا يصير إلهًا معبودًا في اعتقاد عابده إلا لما يثبته له من سلطان أو تصرف أو تأثير أو نفع وضر أو شفاعة أو تدبير يرفعه عن مرتبة المخلوق العادي إلى مرتبة من يستحق الخضوع الديني والتقرب.
فالقرآن حين يقول للمشركين: إن معبوداتكم لا تخلق ولا ترزق ولا تملك نفعًا ولا ضرًّا
١١/٣
ولا موتًا ولا حياةً ولا نشورًا، لا يذكر هذه الأوصاف لمجرد أنها اقترنت عرفًا في أذهانهم بمفهوم الإله، بل لأنها هي المعاني التي توجب التأله والاستحقاق في اعتقاد العابد، فإذا انتفت انتفى موجب العبادة.
وهذا هو معنى الاحتجاج، وهو معنى التلازم الذي قرره الشريف بأوضح عبارة.
١٢/٣
بل في الحجة مستويان لم يدرك المؤلف واحدًا منهما:
الأول: تلازم موضوعي بين الربوبية واستحقاق العبادة؛ فمن لا ربوبية له لا يستحق العبادة.
والثاني: إلزام جدلي للمشركين من خلال إقرارهم بأن الله هو الخالق والمدبر الأعلى، مع إبطال دعاواهم في معبوداتهم.
أما المؤلف فقد أسقط هذا كله،
١٣/٣
ثم اخترع حجة هزيلة ثم أعلن انتصاره عليها، وقال: هذه ليست حجة عقلية ملزمة لكل عاقل!
ومن الذي قال إنها حجة الشريف أصلًا؟!
هذه حجة صنعتها أنت، ثم نقضتها أنت، ثم نسبت ضعفها إلى الشريف! وهذا هو المسلك المعتاد عند من يعجز عن مواجهة القول في صورته الحقيقية، فيعيد تشكيله
١٤/٣
على هيئة ساذجة، ثم يشرع في تفنيده.
فالمؤلف لم يفهم التلازم، ولم يفهم جهة الاحتجاج، ولم يفهم معنى القياس الاقتراني، ثم جمع جهالاته كلها في اعتراض واحد، وصاغ مذهب الشريف صياغة لا يقول بها من قرأ عبارته فضلًا عن باحث يتصدى لنقدها.
١/٤
هنا يعود الناقد إلى الاعتراض نفسه الذي سبق تفكيكه: يصوّر مذهب الشريف كأنه مجرد إلزام للمشركين بما تعارفوه في أذهانهم، لا استدلالًا بعلاقة حقيقية بين الربوبية واستحقاق العبادة.
وقد سبق أن هذا تصوير فاسد لمذهب الشريف.
ثم يأتي بما هو أعجب: يأتي بنص دليل الشريف ثم يتهمه بأنه
الصورة المرفقة:
https://pbs.twimg.com/media/HM9aidGXEAAkDY1.jpg٢/٤
«لم يحسن فهم حجة القرآن»، فلما شرع هو في بيانها قرر عين ما قرره الشريف!
فالشريف يقول: إن المشركين كانوا يرون التلازم بين الربوبية والألوهية، ولذلك احتج الله عليهم بإقرارهم بالربوبية لإلزامهم بإفراده بالعبادة.
والناقد يرد عليه بقوله: إن الإقرار بالربوبية يستلزم العبادة،
٣/٤
ولذلك لم يستطيعوا دفع الحجة!
فأين الخلاف إذن؟!
لقد أعاد قول الشريف نفسه، ثم ظن أنه نقضه.
وهذا ليس اختلافًا في الفهم، بل عجز ظاهر عن تمييز قول الخصم من قوله هو، فمرة يصور مذهب الشريف بصورة ساقطة، ثم ينقدها، ومرة يقرر المذهب نفسه ويحسب أنه خالفه.
٤/٤
فلا ينزعج القارئ من وصفنا له بعدم الفهم؛ لأن هذه ليست دعوى مرسلة، بل شواهدها تتكرر في كل صفحة: ينقد قولًا، ثم يقرره ويهاجم الحجة، ثم يعيدها بعبارته!
إذا لم يكن هذا هو عدم الفهم فما هو؟
١/٥
ويستمر الناقد في إتحاف القارئ بسوء فهمه؛ فيزعم أن الشريف «نقل عن الطبري عين ما يقوله مخالفوه»!
وما الذي يقوله مخالفو الشريف أصلًا؟
يقولون: قد تتحقق العبادة لغير الله من غير أن يعتقد العابد في معبوده شيئًا من خصائص الربوبية.
فلننظر: هل هذا هو الذي قاله الطبري؟
الطبري يقول:
الصورة المرفقة:
https://pbs.twimg.com/media/HM9kbWUXYAAy3KE.jpg٢/٥
«لا يكون إلهًا إلا من يخلق وينشئ بقدرته…».
وهذا بيان لمعنى (الإله)
كأنه حراب عن سؤال (متى يصح أن أتخذ الشيء إلهًا؟)
الجواب: لا يتخذ الشيء إلهًا إلا إذا اعتقدت أنه يخلق أو ينشئ أو غير ذلك من خصائص الربوبية.
السؤال هنا: هل اتخذ المشركون معبوداتهم آلهة؟
الجواب: نعم بلا شك؛
٣/٥
إذًا: كانوا يعتقدون فيها هذا الذي يعتقدونه في الإله، وهو (خصائص الربوبية).
فجاء القرآن يبطل هذا الاعتقاد، ويقرر أن الله وحده هو الخالق المنشئ القادر، ثم بنى على ذلك:
«لا تنبغي العبادة إلا له، ولا تصلح الألوهية لشيء سواه».
فأين مذهب مخالفي الشريف في هذا النص؟!
٤/٥
الناقد يوهم القارئ أن مخالفي الشريف يقولون فقط: «الربوبية تستلزم استحقاق العبادة»، وكأن الشريف ينكر ذلك! مع أن الشريف يقرره أصلًا. وإنما محل النزاع هو: هل العبادة الواقعة من المشرك متحققة من غير اعتقاد رباني في المعبود، أم أنها نشأت عن هذا الاعتقاد؟
٥/٥
ونص الطبري يقرر الأمرين معًا:
أن الانفراد بالخلق والربوبية يستلزم الانفراد بالعبادة.
وأن اتخاذ المعبود إلهًا إنما كان لما نسب إليه من خصائص الربوبية
ثم إن النص الآخر أوضح من الأول؛ إذ يقول الطبري:
«فادعوتموها من أجل خلقها ما خلقت من ذلك آلهة وأربابًا»
فهو كأنه يجيب عن السؤال:
٦/٥
لماذا عبدوها وجعلوها آلهة؟
الجواب: لأنهم نسبوا إليها الخلق، ولذلك سموها آلهة وأربابًا.
ثم جاء الله سبحانه فأبطل أصل دعواهم: بيّن أنها لم تخلق شيئًا، ولم تشارك في الخلق، فسقطت بذلك ألوهيتها وربوبيتها المزعومة، وبطل استحقاقها للعبادة.
فهل يوجد في الكلام العربي أوضح من هذا؟
٧/٥
ومع ذلك يقرأه الناقد، ثم يخرج منه بعكس مدلوله، ويزعم أن الطبري يوافق من يقول بتحقق العبادة من غير أي اعتقاد في الربوبية! وهذا ليس مجرد خطأ في الترجيح، بل عجز عن فهم النص الذي بين يديه.
فالطبري يقول: عُبدت لأنها جُعلت آلهة وأربابًا، وجُعلت كذلك لما نُسب إليها من الخلق.
٨/٥
والناقد يقول: هذا دليل على أن العبادة لا علاقة لها بالربوبية!
فأي قراءة هذه؟ وأي أهلية للنقد بقيت بعد أن صار النص الصريح في مذهب الشريف شاهدًا عنده لمذهب مخالفه؟!
١/٦
يأتي الناقد هنا بمغالطة عجيبة؛ فهو ينسب إلى الشريف أنه قرر معنى من عند نفسه، ثم يقرر هو مقدمة هذا المعنى، وينكر لازمه الذي لا تقوم الحجة إلا به!
فهو يقول: إن الطبري إنما يحتج على المشركين بأن آلهتهم لا تخلق، فلا تستحق العبادة.
فنقول له: أحسنت، لكن لماذا يكون عدم الخلق
الصورة المرفقة:
https://pbs.twimg.com/media/HM9mKoPWkAAtEmZ.jpg٢/٦
حجة على بطلان عبادتها؟
فإن كانت العبادة -كما تزعم- قد تتحقق مع انتفاء كل اعتقاد ربوبي، فما علاقة الخلق أصلًا بالعبادة؟!
بل يستطيع المشرك -على أصلك- أن يقول: نعم، أنا أعلم أن معبودي لا يخلق ولا يرزق ولا يدبر، ولا أنسب إليه شيئًا من الربوبية، ومع ذلك أعبده.
٣/٦
فبماذا يجيبه احتجاج الطبري؟
لا جواب.
لأنك جعلت الاحتجاج خارج محل النزاع، وأسقطت الحجة القرآنية بيدك.
فالطبري لما احتج عليهم بنفي الخلق والتدبير عن معبوداتهم، دلّ ذلك على أن هذه الصفات هي التي بها يُتوهَّم استحقاق العبادة، وأن نفيها يهدم أساس التألّه لها.
٤/٦
فأنت نقلت مقدمة الحجة، ثم أنكرت لازمها، وهذا تناقض لا يخفى.
ولذلك فليس الشريف هو الذي قال هذا “من عند نفسه”، بل هذا هو المعنى الذي لا يستقيم كلام الطبري والحجة القرآنية إلا به.
١/٧
يأتي الناقد إلى هذه الحجة الدقيقة، فلا يجيب عنها، بل يعيد دعوى الشريف نفسها في صورة سؤال استنكاري، ثم يتوهم أن الاستنكار جواب!
فالشريف يقول: إذا كان المشركون يقرون لله بالربوبية كاملة، ولا يعتقدون في معبوداتهم شيئًا من خصائصها، فغاية ما تثبته الحجة أن الله أولى بالعبادة
الصورة المرفقة:
https://pbs.twimg.com/media/HM9nCGdWoAAis-t.jpg